الثعالبي

32

لباب الآداب

أحشادُ العدوِّ حَشرَ وحَشَدَ ، واستَمدَّ واستنجَد واستعد ، كاشَفَ وبادى ، وحَشر فنادى ، حَشَدَ وحَشَرَ ، وضمَّ ونَشَرَ ، وجمع أطرافَه ، ولفّ ألفافه ، قد استنفدوا قوامهم في تكثير العَدد ، وتوفير العُدَد ، وتقديم المراصِد وتوكيد المكائدِ ، نفضت تلك البلادُ أحرارَها وعبيدَها ، وأخرجت عُدَتها وعديدَها ، نهض بمن جَمَعَ من فراش النارِ ، وأوباش الأمصار . استهانةُ الأعداء والاستحقار بهم سَحابةُ صَيفٍ عن قليل تقشع ، وعروقُ باطلٍ لا تمهل أن تَقطَعَ ، لا يهولنكَ كثرتُهم فإنهم أزوادُ السباع ، وأكال الضباع ، ومشارع السيوف ، ومراتع الحُتوفِ ، ما هي إلا صيحةً واحدةَ ، وزَجرةً راصِدَه ، حتى تراهم كأن لم يَغنوا في ديارهم ، ولم تسمع أخبارهم ، ما هم إلا فرائس الحِمام ، وأهداف السّهام ، الحَتْف لهم بمرصادٍ والهلك لهم على مِيعادٍ . فيمن يسعى بقدَمِهِ إلى مراقِ دمِه فُلانٌ يمشي إلى حتفهِ بأخمصَيْه ، ويبحثُ عن مُديتهِ بيديه ، قد طار بجناحه إلى موضع اجتياحِه ، تحقره إلى مَصْرعهِ الأضاليلُ ، وتعجلهُ إلى مهلكه الأباطيل ، استخفهم الحين المتاحُ ، واستحثهم القَدرُ المحتاجُ ، ساروا وآجالُهم تفسحُ لهم في مطامعهم ، ومناياهم تحث مطاياهم إلى مصارعهم ، قد نقلهم الله بأقدامهم إلى مصارع حمامهِم ، قادَهم الله بخزائم أنوفهم إلى مصارع حُتوفهم . انخذالُ الأعداء واستيلاءُ الرُعبِ عليهم تمثل لهُمُ الوَجَلُ فمَلَكهم الأجلُ ، واستطارَ بهم الوَهَل ، فلن يطول بهم